ابن كثير
20
البداية والنهاية
النهار ، ويوفون بالعهد ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويتناصفون بينهم ، من أجل أنا نشرب الخمر ، ونزني ، ونركب الحرام ، وننقض العهد ، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض . فقال : أنت صدقتني . وقال الوليد بن مسلم : أخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا : لما نزل المسلمون بناحية الأردن ، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك ، فبينا نحن فيها إذ أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال : أنتما من العرب ؟ قلنا نعم ! قال : وعلى النصرانية ؟ قلنا : نعم . فقال : ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم ، وليثبت الآخر على متاع صاحبه . ففعل ذلك أحدنا ، فلبث مليا ثم جاءه فقال : جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا أما الليل فرهبان ، وأما النهار ففرسان ، يريشون النبل ويبرونها ، ويثقفون القنا ، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر . قال فالتفت إلى أصحابه وقال : أتاكم منهم مالا طاقة لكم به . انتقال إمرة الشام من خالد إلى أبي عبيدة بعد وقعة اليرموك وصيرورة الامرة بالشام إلى أبي عبيدة ، فكان أبو عبيدة أول من سمي أمير الامراء . قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك ، وأن خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن ، فلما أصبحوا أجلى لهم الامر وقال ما قال ، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها ، وبعث بالفتح والخمس مع قباب ( 1 ) بن أشيم إلى الحجاز ، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق ، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر ، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه . قال أبو أمامة : فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر ( 2 ) فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد ، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد ، فنزلت وغرزت رمحي بالأرض ونزعت لجام فرسي ، وعلقت عليه مخلاته ونمت ، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر ، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته ، ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمين فرجعوا عني ، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر وجئت إلى أبي عبيدة فأخبرته بما رأيت ، فأقام أبو
--> ( 1 ) الصواب قباث . ( 2 ) كذا بالأصل ولعل فيه سقطا . والعبارة في الطبري : دخلت الغوطة فحبستها بين أبياتها وشجراتها فقال أحد صاحبي قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا فقلت : قف مكانك حتى تصبح أو اتيك فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة . . . ( 4 / 38 ) .